Showing posts with label يوميات. Show all posts
Showing posts with label يوميات. Show all posts

Saturday, October 2, 2010


فلسفة الكشري في الدراما والإعلام (1)


حنان شافعي

منذ التحاقي بالمدينة الجامعية حيث لا شئ سوى النوم والأكل والنميمة، انقطعت علاقتي بالتليفزيون الذي كان مصدر الترفيه الأول في بيتنا. لم أكن أتوقع أني سأتخلص من تعلقي به، ولم أصدق إلا حينما اكتشفت أن حياتي تمضي بصورة طبيعية دون أفلام السهرة واليوم المفتوح وبالطبع مسلسل الظهيرة والثامنة مساءا. لكن فجأة -وبعيدا عن السامعين- صالحتني الدنيا على هذا الاختراع العظيم واستعدت علاقتي بالتليفزيون كأحد توابع زواجي وبقائي في المنزل عاطلة مع سبق الإصرار والترصد ،تدريجيا عاد ارتباطي به حتى وجدتني أتجرأ لكتابة هذه المقدمة تمهيدا لتوريطكم معي في قضية تليفزيونية.

أما فلسلفة الكشري فتتلخص في أن "أبوعلي" قرر فتح محل كشري في الشارع الرئيسي لبلدتنا وقد أكرمه ربنا (بضم الباء) وأصبح للمحل زبائن وبعد أيام فوجئنا ب"أبو كرم" يفتح محلا للكشري على بعد ثلاثة أمتار من محل أبو علي، طمعا في كرم نفس الرب واقتسام نفس الزبائن، ثم بعدها لم يتردد عم مجاهد في فتح محلا جديدا للكشري في ظهر محل أبو كرم وهكذا أصبح لدينا خمس محلات للكشري في مساحة لا تتجاوز بضعة أمتار ،وما لبثت المحروسة حتى غدت معقلا للكشري بل أصبح من معالمها الثقافية الراسخة ..وبالطبع يمكنكم حذف الكشري ليحل محله السنترالات أو التوك توك أو كافة مظاهر الرزق المتداولة بين رجالنا وشبابا وصولا إلى محاولات الهجرة غير الشرعية التي يقلدون فيها بعضهم البعض لمجرد أن أحد أبناء البلدة نجح في تجربته وظهرت عليه النعمة المتمثلة غالبا في بيت من طابقين بالإسمنت المسلح .

Tuesday, August 3, 2010


في رحاب القديسة كاترين
فرصة أخيرة لتعلم فضيلة الصمت

ثمة أشياء تفاجئنا بها الحياة بعد أن فقدنا الأمل في حلوها إلى الأبد ..من هذه الأشياء كانت رحلة –الآن اكتشف أنه قد مر عليها عامان – إلى فردوس بديع من بعض ما حبت به السماء، أمنا التي أحني الزمان قامتها "مصر" ، هو فردوس حقيقي ليس لأنه يقدم خدمة سبع نجوم علي طريقة فنادق النيل ، أو لأنه يحقق أحلام الحور العين وأنهار الخمر، ولكن ببساطة شديدة لأنه يمنحك فرصة الاختلاء بنفسك..يعلمك فضيلة الصمت ، ثم إذا ما ارتقيت بتعلمها يمكنك الحديث مع الله من علي جبال كليمه "موسى" ..والحديث مع الجبال ذاتها التي ستجعلك حتما تخر لجلالها وروعة الفن الذي ينساب منها . إنها منطقة "سانت كاثرين" بكل ما فيها من جبال وأودية وصوامع رهبان مختبئة في بطون الجبال ..كل شئ وأي شئ حتى حبات الرمال التي تدهمها سيارات الزوار وتزعج هدوءها المنساب تلقائيا .
كانت الفكرة منذ البداية كفيلة بأن أستكمل المغامرة وأصنع منها حلقات أخرى ، فصديقة الجامعة التي أعلم بنشاطها واهتماماتها الكنسية تقترح علي الانضمام إلي رحلة تستعد لها مجموعة من الأخوة المسيحيين إلى دير ومنطقة القديسة كاترين ضمن ما يقومون به من رحلات إلي الأديرة والموالد المرتبطة برموز وشخصيات دينية بعينها ..لمعت الفكرة في رأسي وشعرت أنها فرصة ثمينة لاكتشاف الكثير وزيارة مكان نسمع عنه كل حين ..وبالفعل اقترحت بدوري علي أحد الأصدقاء الانضمام إلينا وتحدد مكان وزمان الانطلاق.
أثناء الطريق ولأنها رحلة دينية بالنسبة للأصدقاء بدأ السائق في تشغيل شرائط فيديو تحتوي أفلاما روائية قصيرة حول سير أنبا مثلا أو أب وكانت تلك هي المرة الأولى التي أشاهد فيها أعمالا فنية مسيحية موجهة بهذا الشكل ولم أدرك إلا بعد فترة أننا كمسلمين نفعل هذا الشئ أيضا من خلال الأعمال التاريخية الدينية التي تمل الشاشات تكرارها في المناسبات.. والحقيقة –و والله العظيم بقول الحق- جعلني ذلك الموقف أتساءل حول هذا الكم من الجهل الذي بيننا وبين آخر نعيش به و معه ،نقتسم سويا الأرض والتاريخ والهواء الذي تتبادله صدورنا وظللت أفكر في مستويات هذا الجهل حتى أخذني بريق آخر و جلال يصعب احتماله ..نعم إنها أرض سيناء التي بمجرد اقترابي منها أشعر باحترام وعشق يتدفق من رأسي حتى لا تقوى علي احتماله عروقي، يقترب في زلزلته من رجفة القلب عند احتضان الحبيب بعد فراق .
ربما تكون علاقتي بسيناء مجرد حدوتة أسمعها وأرددها في مطلع أكتوبر من كل عام لكن حتى هذه الحدوتة –التي هي جوهر العلاقة- أصبحت بالنسبة لي شيئا عظيما يرتبط بطفولتي وحماسي لترديد الأغاني الوطنية في إذاعة المدرسة طوال ذلك الشهر، مرتبطة بدموعي التي أشعر بسخونتها علي وجهي كلما تابعت إطلاق الرصاص علي الجندي الذي يرفع العلم علي أرض سيناء ،ثم بعد أن كبرت قليلا غدت العلاقة مرتبطة بمحبتي وتقديري لعم فوزي بائع اسطوانات الغاز الذي فقد ساقه في الحرب وينتشي كثيرا كلما وقعت عيناه علي..فقط لأنني أمنحه فرصة الحديث عن بطولاته في المعركة، وكالعادة ينهي اللقاء بأن يرفع جلبابه المتشرب برائحة الغاز والتبغ ليكشف عن ساق صناعية تحل محل ساقه العظيمة.
نعود إلي رحلتنا وقد اقتربنا من المكان الذي لا يخفى علي أحد هدوءه وغموضه الذي يسحر الحواس ويؤكد علي عظمة الكون في مقابل ضعف هذا الكائن الساذج المتعجرف الذي نسميه مجازا "بالإنسان" توقفت السيارة في مساحة واسعة معدة سابقا كمدخل ، يشق صمتها حديث باهت بين جنود الحراسة و كذلك نظرات بائعي المحال القليلة جدا التي توفر بضائع يدوية سيناوية، ثم تحتل المشهد بقوة سيارات القوات متعددة الجنسيات التي ترتاح العين لأناقتها ، ووسط هذا التجمع البسيط تظهر بين حين وآخر سيارة سياحية تحمل فوجا أو تأخذ آخر .

كانت الساعة قد تعدت الثانية صباحا وطبقا إلي الخطة التي أعلنها منظم الرحلة أننا وصلنا في التوقيت المناسب بحيث نبدأ بعد قليل من الراحة صعود الجبل وبعد النزول في الصباح تكون زيارة الدير وهكذا..الخطوات الأولى أشعرتني أن المشوار طويل وليس سهلا علي الإطلاق خاصة مع أمثالي ممن يعانون تشكيلة من أمراض الشيخوخة المبكرة !!...قررت بيني وبين نفسي أن أقاوم ،بل واستمتع كالآخرين دون الالتفات لأي شئ آخر .
رغم كثافة الظلام الذي يخيم علي المكان كانت النجوم مزدهرة تستأثر بالسماء دون دخان مصانع أو عوادم سيارات ، الهواء النقي أيضا يجبرك علي ملاحظة الفرق بينه وبين أي هواء في أي بقعة أخرى ويجعلك تتحسر علي ما تحمل رئتيك من كوارث..بعد انتهاء هذه المسافة الأرضية وبداية صعود الجبل تجاورك الأفراد أو المجموعات التي انطلقت قبلك أو تلك التي أوشكت علي إنهاء المسيرة ، المدهش أن ذلك لا ينتهي طوال الطريق ومهما انحرفت عن المجموع واتخذت منحى مختلفا سوف تجد من فعل مثلك أو يفعل..بل أن الرائع في ذلك هو تنوع واختلاف الأشكال والألوان والجنسيات التي تقابلك فتجد من يلقي عليك تحية الصباح بالانجليزية الرائقة أو بالفرنسية أو بالعربية المتعثرة أو بالانجليزية المتعثرة أيضا إذا كان وجهه مستديرا والعينين ضيقتين ..وكأن اللحظة تؤكد على أخوة البشر واتساع الكون لهم حيث التنوع وهدوء النفس والمتعة الجمالية وحديث دائم بين السماء والأرض .
في حوالي السادسة أو أكثر قليلا تبدأ الشمس في الإشراق فتستقبلها قمة الجبل كسيدة نبيلة في بهو قصر ملكي، ويبدأ الكون في الاحتفاء بأشعتها ..لحظتها ينظر الزائر إلي نفسه ويتحسسها بعد ظلام طويل فيطمئن علي أعضاءه مرتبة بحسب تصوره عنها ،وكذلك يكتشف موقعه فوق الجبل الشاهق الذي تبرز طياته كجداريه أبدع في صنعها آلهة الفن في كل العصور . أما رحلة العودة فلا تقل متعة أيضا حيث مزيد من الاكتشاف والعثور بين صخرة وأخرى علي نبتة شديدة الروعة والوحدة في الوقت نفسه ،وبمجرد الوصول إلي نقطة البداية انتظرنا قليلا حتى جاء دورنا في زيارة الدير الذي تشهد جنباته بعمق فكرة الإيمان والإخلاص سواء بوجوده في هذا المكان القصي من الحياة بعيدا عن الناس، أو في دوره بتذكيرنا بقصة القديسة كاترين ذاتها التي احتملت الكثير وهي فتاة صغيرة جميلة من أجل قول الحق وازدراء لغيره من متع الحياة التافهة .



Sunday, August 1, 2010


مصر وعقدة الريادة:
مؤتمري نثر القاهرة


رغم انتمائي لحزب بنات حواء وما يلتصق بهن من حب للثرثرة والوقوف على التفاصيل، فإني في الحقيقة لا أعبأ بتفاصيل الأشخاص مطلقا بل ربما لا أراها من الأساس ،عادة  ما أغرق في البحث عن جوهر الشخصية و أفكارها  ثم أسقط عليها بعضا من أوهامي الرومانتيكية التي لا أستفيق منها وعليها إلا بصدمة بحجم صخور الدويقة(!!)، فأقول ليتني ركزت في التفاصيل التي يبدو أنها تشي بعين الحقيقة .

هذه المرة سأورط نفسي عمدا في الوقوف على تفصيلة وردت  بلقاء الشاعر والصحفي العراقي يحي البطاط الذي تمت استضافته منذ أيام على تليفزيون دبي وسألته مقدمة البرنامج السيدة بروين حبيب عن رأيه أو موقفه من مؤتمري النثر اللذين عقدا مؤخرا بالقاهرة  فجاءت إجابته محرضة بما يكفي على جلسة تأمل طويلة أعتقد أنني في حاجة إليها كأحد المشاركين بواحد من هذين الملتقيين (المنعقد بالقاهرة في الفترة من 10 إلي 13 مارس بمقر اتحاد كتاب مصر) وقد فاز ديواني "على طريقة بروتس" بدرع الملتقى وجائزة التميز الشعري كأفضل ديوان أول، وقبل وبعد ذلك كوني  شابة مصرية  تعد "تفصيلة" متواضعة من تفاصيل مستقبل هذا الوطن.  

 انتقد الشاعر العراقي الحدثين الثقافيين واصفا إياهما بمحاولات شخصية للتنافس والظهور و  ملخصا وجودهما و أهدافهما إلى مجرد ضغائن بين عناصر تريد تخليص حقها من بعضها البعض ثم أضاف قائلا:"أن الريادة في ميدان قصيدة النثر كانت للبنان والعراق ولم تكن أبدا لمصر ،وأن المصريين يحاولون الآن تصدر المشهد وسحب بساط الريادة" !!

بتأمل تصريح أستاذ البطاط حول مسألة الريادة، ومن قبل وصفه للمجموعتين القائمتين على التنظيم  باستخفاف وصل إلى درجة  قطع أو إخفاء ما تفضل به من على شريط الحلقة -ولعلها حادثة نادرة في تاريخ البرامج التليفزيونية لأننا تعودنا عملية القطع في الأفلام من الرقابة فيما يخص الألفاظ أو الأوصاف غير المقبولة اجتماعيا فما بالنا ببرنامج ثقافي تنويري يستضيف الأدباء والفنانين في حوار من الإبداع وعنه . و لنتجاوز الكلام الحرفي للبطاط ونفكر بهدوء فيما دفعه للاعتقاد بذلك ... هل هي عقدة الأخت الكبرى؟ التي تعطي الكثير وتتحمل أكثر ثم يخرج عليها أخوتها متنكرين؟! (أعرف هذا الدور جيدا فقد ورثته عن أبي بميزاته القليلة ومآسيه المتجددة). هل هو إخفاق المثقفين المصريين المعاصرين في إعادة تعبئة وتنظيم أنفسهم بصورة جادة ومتحضرة كي يتمكنوا من إنجاز مجرد فعالية ثقافية ؟ أم هل هي طبيعة المرحلة التاريخية التي تعيشها مصر منزوية على نفسها وغير واثقة في قدرتها على التأثير كما تعودت ؟

لا شك أن ما أثير حول مؤتمري النثر المذكورين يحمل كثيرا من اللمحات المستفزة والمخجلة في آن واحد كما يشير بقوة إلى المستوى الهزلي الذي وصل إليه المشهد الثقافي المصري في كل معطياته وعبر أداء ممثليه من الشباب قبل الكبار. فليس أشد هزلا من فشل مجموعة من شباب القصيدة الحديثة ينتمون إلى جيل واحد أو أجيال شديدة التقارب، في تنظيم أنفسهم وتحمل مسؤولية فكرة أو مشروع طموح راود خيالاتهم الإبداعية وأخذتهم الحماسة لتنفيذه. والكارثة أنه ليس بالمشروع الضخم أو النفعي الذي قد تفسده تضارب المصالح أو التوجهات، أنما هو من البساطة والرقي ما يشبه أحلام المراهقين بتغيير العالم. لكنهم بكل أسف لم ينجحوا في تغيير العالم ولا تغيير أنفسهم وتحول الحلم الشعري النبيل والمحاولة التقليدية للتمرد على الآباء إلى لوحة داكنة الألوان،مشوهة الملامح بفعل السباب والشتائم وتبادل الاتهامات وعليه لم يكن غريبا أو صعبا أن ينظر إلينا البعض باستنكار وتهكم. 

لدي شعور في قرارة نفسي بمسؤولية فردية عما جاء على لسان البطاط فقد تعودت على ترديد مقولة تؤكد أن "من لا يجتهد بما يكفي لدخول حلبة التنافس عليه أن يتحمل كل ما سيقال عنه أو يفعل به"، ونحن بالطبع لم نجتهد بما يكفي لا على المستوي الفردي ولا الجماعي ،وما حدث بخصوص مؤتمري النثر نموذج متقن الصنع للوهن وضعف الثقة بالنفس وأيضا لتعرية ما آلت إليه الحركة الثقافية في مصر بشكل عام . أعتذر لكل من له علاقة بهذين الملتقيين من قريب أو بعيد فكلهم أساتذتي وأصدقائي وأؤكد أني لم أكن مطلقا ضمن أي الفريقين، لكن المسألة أكبر من ذلك والخيبة النهائية نجنيها جميعا ليس الآن فقط بل على مدي التاريخ وما أشد آلام الجرح الذي قد يتسبب فيه مثقف أو مبدع لبلده ومن هي هذه البلد؟ وماذا لو كانت بلد بحجم وتاريخ وعمق مصر ، لا أقول كلاما إنشائيا لكنها حقيقة لازال صداها يتردد في روحي وأنا أبتعد عنها تدريجيا و أقترب من مجتمعات أخرى.

بخصوص عقدة الأخت الكبرى فليس لنا ذنب فيها ،وفي الوقت ذاته نحن لها وسنظل لأننا ببساطة نعرف قدر المسؤولية التي تضعها على عاتقنا ظروف التاريخ والحضارة . إنها مسؤولية لا تقل أهمية ورقيا عما كانت على كاهل الأنبياء تجاه رسالاتهم، إذ كان عليهم أن يكونوا نموذجا تطبيقيا لما فيها، ونحن كذلك ينبغي أن نفهم أولا إلى أي بلد ننتمي وأي بضاعة نبيع وماذا سوف نضيف إلى تاريخ من سبقونا ممن آمنوا بها وقدروها واحترموا وجودهم في الحياة لأجلها هي وليس لأجل مجد فردي أو انتشار سخيف والمفارقة أنهم حققوا كل ذلك في وقت واحد ، أما الريادة فليست بمن يلحق كرسيا في الصف الأول أو يصنع أحداثا لا تذكرها سوى أبواق إعلامية فارغة ،بل الريادة بتقديم حالة حضارية حقيقية تضيف ولو سطرا في تاريخ تطور البشرية وأعتقد أن مصر قدمت في ذلك فصول وليس مجرد سطور .



hanan@hananshafey.com

Wednesday, June 23, 2010



مشنقة علي كوبري قصر النيل


لم تفلح كل محاولاتي لتفادي المشهد، لا المشاغبات، ولا أفلام التليفزيون التافه منها والقيم، ولا تصفح كتاب يهمني موضوعه، حتى أكواب التفاح بالقرفة التي تساعدني على تخطي أزماتي خذلتني هذه المرة...

المشهد :(نهار خارجي) شاب ممشوق القوام يرتدي زيا متفقا عليه بين الشعبيين من أبناء بلدي ، يصنع مشنقته بيديه ثم يسلم جسده لها لينطرح معلقا بين سماء عاصمة مختالة ومياه نهر كان إلها ثم حكم عليه الزمان بذل أبدي .

صمت ثقيل يمتد من بعد إعداد المشنقة لساعة كاملة، وفي الخلفية ضجيج السيارات ومراكب البهجة المتواضعة وصخب كئوس فنادق النيل الأنيقة وهمس العاشقين المحرومين الذي كان عمرو واحدا منهم بالأمس، يختلس كلمة رقيقة أو نظرة حنو قد تنقذ روحه من تلوثها بشعور العجز وقلة الحيلة .

ترى أي مزاج سيطر على هذا الشاب وهو يكتب تفاصيل مشهد رحيله الموجع؟ هل كان ثائرا أم هادئا ؟ محبطا إلي درجة الصراخ أم متجبر إلي درجة الإصرار على الرحيل عبر مشهد سادي يتركنا بعده وقد خيم على قلوبنا  حزن مطبق، ومرارة تلوث لحظاتنا كلما هممنا بممارسة حياتنا . و أي مرارة تلك التي ندفعها ثمنا لتعبد مجتمع متعجرف في محراب طقوس اجتماعية ومظاهر تافهة. أي عدل هذا الذي ينتظره الآباء من أبناءهم ومن الحياة وهم يسلمون عقولهم لأفكار بالية وأداء اجتماعي استعراضي لا نجني منه –نحن الأبناء- سوى مزيد من المشقة وفقدان الثقة بالنفس كلما عجزنا عن تلبية مطالبهم وتصوراتهم–ضيقة الأفق- عنا وعن المستقبل .

ماذا لو أن أهل خطيبة عمرو قد تعاملوا معه بقدر طاقته المادية والاجتماعية طالما أنه يحبها إلى هذه الدرجة ويطمح إلى مشاركتها الحياة ؟ أو ليكن السؤال أكثر نضجا-لماذا لا تستفيق الأسر المصرية من أوهامها الاجتماعية عن الزواج ومتطلباته؟لماذا لا يحاولون-لوجه الله الذي يتحدثون عنه ليل نهار-إدراك متغيرات الحياة المرعبة والتحديات التي تواجه الشباب ،والشباب المصري تحديدا ،في بداية حياتهم؟

 ولعل المدهش أن المشاريع الزوجية علي الطريقة المصرية تمر في نفق من الأوهام يبدأ مع الشقة والأثاث والمواصفات التي تمتلكها بنت فلان وعلان والتي لا يجوز "شرعا" أن لا تمتلك ابنتهم مثلها، وصولا إلى ما يحدث بعد إتمام الزيجة من تدخلات ومحاولة لتخطيط الحياة نيابة عنا ثم رغبة الأهالي الملحة في وصول الأحفاد، بالطبع كي يرضون غرورهم ويشعرون بنجاح سطحي زائف لأنهم لا يعرفون –ولا يحاولون- معرفة ما إذا كان هاذين الزوجين سعيدين بالفعل أم لا !!!!!


وبخلاف المجتمع المتلذذ بأوهامه ومشكلاته المتفاقمة، أتوجه بسؤال ساذج إلى أولي الأمر في مصر..بالله عليكم ،كم كان سيتكلف زواج عمرو و إنقاذ روحه من اليأس وبالتالي حياته من هذه الموته البشعة؟؟ الإجابة .. أنه مبلغ شديد البساطة أوشديد التفاهة بلغة أصحاب الأموال. مبلغ لا يكفي بأي حال من الأحوال لإعداد مأدبة على شرف محافظ أو مسؤل بأحد الأقاليم. ولنتخيل كم من الشباب المصري في مثل ظروف عمرو ويحتاج فقط لمبلغ مماثل في مقابل المبالغ المهدرة من قبل مؤسسات الدولة والتي يصعب على البسطاء مثلي تصورها.

غصة في حلقي صنعتها صورتك وأنت معلق هكذا يا عمرو، أي قسوة تلك التي مورست عليك ووصلت بك إلى هذه القرار ؟؟!و كيف لقلب يعشق وروح تتوق إلى حبيبها أن يقررا الانسحاب من الحياة بهذه المأساوية ؟

أعتقد أنك عاشق للمسرح التراجيدي مثلي تماما وأنك تمنيت أن تصبح هاملت أو ماكبث الألفية الثالثة ،و اسمح لي أن أحييك علي ذكائك، فاللحظة مناسبة جدا لصنع مآسي كبرى . وأنت "البطل" شاب يافع تعتصر لفراقه قلوب الأمهات والعذارى، أما المكان فهو اختيار عبقري بلا أدني شك ، مسرح معد بديكور يليق بك كبطل مأساوي،كوبري ملكي رشيق تحرسه الأسود من كل جانب،وهو شاهد قديم على تاريخ العشاق الذين يأتونه ليلة الزفاف كي يبارك توحدهم،وعلى تاريخ الساسة الذين يعلقون عليه أعلامهم كي يؤكد شرعيتها.في مقدمته منبع كلاسيكي لفنون الرسم والموسيقي والتمثيل (عليها أن تصطبغ بالأسود كرد فعل رومانتيكي يليق ببطل مثلك) ،وفي المؤخرة ميدان عريق تتسابق فيه أحلام الكبار والصغار كل صباح.

وأخيرا وصيتك إلى الحبيبة في زمن مغاير تماما لزمن الوصايا، هي العنصر المكمل لظهورك كبطل تراجيدي يا صديقي. وبغض النظر عن أن التاريخ مؤهل لاستيعاب مأساتك أم لا ، فإن المشهد الذي صنعته بمنتهى الهدوء سيظل يطارد مخيلتنا جميعا حتى هؤلاء الذين تعودت مخيلتهم علي مشاهد الاحتفال وكراسي السلطة .      

hanan@hananshafey.com