Showing posts with label قراءات نقدية. Show all posts
Showing posts with label قراءات نقدية. Show all posts

Friday, June 3, 2011

ذات متمردة تجابه العالم

                عمر شهريار

     في ديوانها الأخير والصادر مؤخرا عن دار شرقيات تضع الشاعرة حنان شافعي عنوانا دالا : " على طريقة بروتس " والذي يحيل إلى شفرة ثقافية مستوحاة من نص " يوليوس قيصر" لوليم شكسبير والذي تجاوز فيه " بروتس " كونه شخصية داخل نص مسرحيإلى الانتشار في الفضاء الثقافي العام، بحيث أصبح يكتسب وجوده المستقل بمعزل عن النص الأصلي، وأصبح يمثل شفرة ثقافية خاصة ، فمجرد ذكر بروتس والجملة الشهيرة " حتى أنت يا بروتس" أصبح يشبه الكلمات المأثورةالتي تمتلك دلالاتها الخاصة، ومن ثم فإن وجود العنوان بهذه الصيغةلا يتماس فقط مع النص الشكسبيري بقدر ما ينفتح على دلالات ثقافية كبيرة أ صبحت تحمله الشخصية.

     العنوان، إذن، وكعتبة أولى للنص، ينفتح على ذلك الموروث الثقافي المرتبط بالخيانة، فالذات الشاعرة منذ البدء تعلن عن االمسار الذي تنتهجه؛ وهو الخيانة ، ولكنهاخيانة جملة من الممارسات والتصورات الذكورية التي تموضع المرأة في نطاق ضيق بعينه، ومن ثم فإن الذات الشاعرة الأنثوية داخل النص تبدو طوال الوقت كمتمردة وخائنة لهذه التصورات الذكورية السائدة ، ولكل المفاهيم الراكدة، وذلك عبر لغة شعرية لا تنغلق على نفسها ، ولعل هذا النزوع نحو التمرد واخيانة يتأكد مع الإهداء، كعتبة ثانية، تقول : "إلي../ وحدي / أتمرد / وأجرب / وأيضا أدفع الثمن " فالذات من خلال هذا الإهداء تعيد التأكيد على ما صدرته لنا في العنوان من رغبة في التجريب والتمرد على الموروث الثقافي وخيانة ثوابته . وربما يكون الغلاف، أيضا، كعتبة تؤطر الدلالة الكلية للديوان تؤكد ما ذهبنا إليه ، حيث نجد على يمين الغلاف صورة لتمثال رجل روماني يتميز بقوة جسدية واضحة  مشمرا عن ساعديه ، في حين أن يسار الغلاف به مجموعة الكلمات ال‘نجليزية المكتوبة بخطوط متباينة وتحتل معظم الغلاف، وتبدو كما لو كانت تزيح ذلك الذكر إلى الخارج .فالكتابة _ ويجب أن نتأمل مفهوم الكتابة والوعي الكتابي الذي يرفض الصيغ الجاهزة وانتقال المعرفة من الكبير للصغير عبر الوراثة الثقافية_ اليسارية تزيح الذكورة اليمينية .

Tuesday, May 17, 2011



النفاذ من أضيق الثقوب.. على طريقة بروتس

د/ عبير سلامة

من السهل أن يتعاطف المتلقي مع صوت الذات، متفهما علو نبرته وحدة سخريته، نتيجة التأثيرات الأسلوبية لعملية انتهاك التواصل مع المتلقي الافتراضي، ونزع الألفة عن أحداث وعلاقات تتحول بالتكرار إلى أفعال آلية بدون وعي أو إحساس. هذه العملية حاسمة في الاستجابة للشعر، ولقصيدة النثر بوجه خاص، لأنها حسب المشهور قصيدة اليومي والمألوف، ما يجعلها متورطة في آلية التواصل إلى حد يشوش على أدبيتها ويخلط بين الشعري والنثري.
تتشابك في الديوان علاقات بالأهل، الحبيب، الأصدقاء، العابرين في الشوارع، الجسد، والأشياء، مع أحداث اللقاء، الهجر، والموت. وتُنزع الألفة عن هذه العلاقات والأحداث المعتادة، من خلال تصميم يضيف تأثيرات أسلوبية على المستوى الصوتي والتركيبي والدلالي.

Tuesday, September 14, 2010


           
على طريقة بروتس للشاعرة حنان شافعي...

        "قصائد من روح المدينة"
نضال حمارنة

كتاب (على طريقة بروتس) للشاعرة المصرية حنان شافعي، قصائد تمثل اتجاهاً استطاع أن يجد حيزاً له على خارطة الشعر العربي المعاصر.
و إن اختلفت الآراء حوله، يحلو لي أن أطلق عليه القصائد العابرة على دروب تسارع نبض المدينة... ووسائل الاتصالات عبر العالم، وفيما يخص كتابة المرأة تحديداً أجده يبتعد عن البوح والتأسي والكآبة، و(على طريقة بروتس) إيحاء، و تناص يبدو مقصوداً من الشاعرة، ألم يشارك بروتس في قتل يوليوس قيصر أقرب الناس إليه من أجل فكرة.. كان مبدئياً في تنفيذ هدم ما هو قائم بغض النظر عن البدائل التي حدثت في روما حينذاك.
و حنان شافعي تكتب ما ترى، وتصرّح أنها عابرة في مدينة الحياة على طريقتها، وتعلن بوضوح أن فعل القصيدة مرحلياً هو الهدم بغض النظر عن دفع الثمن. نرى الشاعرة في المفتتح تهدي كتابها إلى نفسها ليس من باب النرجسية وإنما لتفتح لنا باباً غير موارب لتأويل القراءة:
 /إليَّ../ وحدي/ أتمرد/ وأجرب/ وأيضاً أدفع الثمن/.

استخدمت الشاعرة اللغة المبسطة، واشتغلت على المفارقات، والإحالات لتوصيف صراعها الداخلي.. علاقتها مع ذاتها وعلاقتها بالآخر- الرجل عبر صور وقفزات من حالة إلى أخرى تدمج الأماكن والشوارع والأشياء الصغيرة، وفي كل مرّة تشاكس الثوابت والأعراف الاجتماعية .. ساخرة من ازدواجية الذكر الشرقي..
مازال
يُصّرُ على استدراجي للركض
في شوارع عقله اللانهائية
وأهرامات ثقافتي
تتخلى عن تماسكها
لن أمانع
أن أترك له يدي
مقابل الصمت
أو أن أعالجه من «فوبيا» عبور الطريق
مقابل أن يكفَّ عن ترجمتي
إلى أفكار.

أغلب القصائد تبتعد عن الصيغة الاستفهامية أو التأرجح في الوصول إلى موقف - الأنا - غير مترددة لدى الشاعرة، واضحة، تلجأ إلى الجمل الإثباتية، وتزيد على ذلك في التأكيد على طلبها، بالإفصاح عن تلقائيتها لأبعد الحدود... ومصارحتها العلنية التي لا تستثني أحداً.. عبر مراحل حياتها..
تقليديٌّ أنت
كوجه أمي
مملٌّ
كدميتي
كونك تحبٌّني
لا يمنحك حق التجول
في مدني المتحضّرة
أو يكفل لك العبور
من أبواب أوردتي
هل تستطيع إنقاذ قلبي
من تحت قدم الدنيا
ذات الكعب المدبب؟.

هنا لا تسأل الشاعرة بقدر ما تعتقد أنه لا يستطيع إنقاذها من الهرس.. من الضغوط الهائلة..بطريقته التسلطية..
فقط
أود الانفلات من نطاق الجاذبية
لأطير كفراشة
بين عينيك
السيارات المتوحشة
تتسابق لافتراسي
يزداد ضغط الخوف على قلبي
بينما أنت منصهرٌ
بغرفة «شات» باردة.

تندغم الحالة الفردية بالمكان ولا تنفصل عن المدينة الموسومة بالتوحش وبقدرة عالم الاتصالات الحداثي على تحويل البشر إلى كائنات انعزالية تحترق دواخلها ببرود شديد.

ضم الكتاب مجموعة من القصائد مهداة إلى أصدقاء الشاعرة حنان شافعي منهم محمد فرج، وسام هاشم، أقتطف من قصيدة - رسالة إلى كذاب - المهداة إلى باسم قهّار..
تهربُ إلى دمٍ أبرد
إلى عواصم أكثر تحضراً
تغيّرُ أوراق هويتك بين عام وآخر
لكنك حتماً لن تغير رائحتك
مثلما لن ينجح لسانك في الخروج من مستعمرة
اللغة
رغم كل ادّعاءاتك
مع تلك المفردات البسيطة يسطع صدق مباشر دون تنميق أو مواربة، أو احتيال على معاني اللغة.. لعل الشاعرة لا تفكر بالاشتغال على اللغة، أو اختصار السرد بقدر ما تفكر بالاشتغال على الحالة.. على الفكرة .. على تدفق الجملة كما تحسّها... دون التقيد بما يمليه عليها نسق الكتابة.
أعلنت لنا في أكثر من قصيدة، أنها تجرب .. و مستعدة لدفع الثمن... و حنان شافعي شابة تجاوزت العشرين بأعوام قليلة.. فهل ما قدمته - مانيفيست تمرد - يخرج من (شباب النت) إلى عالم الشعر العربي المعاصر، ويحوّل الشعر إلى رسائل تبتعد عن التأمل الضبابي.. ربما!.
يستقبلني المترو
بوجهه الممتعض
أدفن رأسي بالجريدة اليومية
أتخلى عن أعضائي
واحداً تلو الآخر
أتضاءل.. أتضاءل
كي لا يلاحظ أحدٌ
شذوذ أفكاري.

شعر: على طريقة بروتس
المؤلفة: حنان شافعي
دار شرقيات للنشر و التوزيع - القاهرة- 2009

صحيفة "البعث" السورية
5 يوليو 2010

Thursday, August 12, 2010




 
حنان شافعي : المازوخية المحببة
حسين سرمك
( كالعادةِ
هاربة من اللامعنى
أجتهد في تجاهل
صوت داخلي
يُلح على ضرورة انسحابي
أفشل
وأعود
لأفشل
ثم أعود .. ) – قصيدة "أن أمحوك من ذاكرتي" – ص 65 " –
وسط هذا الكم الهائل والخانق من النصوص "الشعرية" الذي تطلع علينا به الصحافة الأدبية يوميا حتى صار مغثيا أحيانا ، تمر بك لحظات تشعر أن الشعر الجيد صار عملة نادرة جدا خصوصا في ما يكتبه الشعراء الشباب . لكن بين وقت وآخر ، تهب في سماء الشعر الكامدة نسمة آسرة تنعش ذائقتك .. وتوقظ عيني بصيرتك .. وتشعرك أن الشعر بخير .. وأن هناك من يدرك شروط كتابة قصيدة "حديثة" بعيدا عن اللعب اللفظي المُلغز .. وعن الجنوح القصي لألعاب المخيلة التي جعلت فهم ما يكتبه بعض الشعراء عصيّا على الشعراء أنفسهم .. وطوّحت بالشعر ليصبح فن نخبة ويفقد مادة حياته ونمائه وموضوعه المركزي : الإنسان. ومن هذه النسمات التي هبت بهدوء مفعمة بالشعر والصور المدهشة والأفكار الأخّاذة والبناء المحكم هي مجموعة (على طريقة بروتس) لـ "حنان شافعي".. عملية الخلق الشعري ، وبعيدا عن أطروحات ربّات الإلهام وشياطين عبقر التبسيطية ، هي عملية ذهنية – رغم الفاعلية الهائلة لقوى اللاشعور- مضنية ومخططة بقصدية عالية . تظهر هذه القصدية لدى حنان من العنوان "على طريقة بروتس" .. ومن وقفة الإهداء :
"إليّ :
وحدي
أتمرد
وأجرّب  
وأيضا أدفع الثمن "
.. وبروتس كرمز يعني – من بين ما يعنيه - هذه القدرة الفذّة والعزوم على "تجريب" المؤامرة .. بمفرده .. ثم دفع الثمن بتوقع ومثابرة .. منه وحده .. وإليه وحده .. ومن هذا الفهم الذي لخصته جملة الإهداء تمتد الخيوط المركزية التي تنسج منها حنان مباني نصوصها ومعانيها .. مضامينها وأشكالها.. ممثلة بهذه الأنوية الغامرة .. والروح المتمرد .. والتجريب .. والروح الخلاصية التضحيوية .. أغلب نصوص المجموعة تطرح بلسان الضمير المتكلم "الأنا" .. فالشعر مشروع ذاتي .. يبدأ بالتخلق من أعماق ظلمات اللاشعور الفردي ليتلبس الأغطية الشخصية أو الجمعية على حد سواء .. الجذر يبقى واحدا :
(خلف أسوار الأوبرا المتعجرفة
حيث الأشياء
متحضّرة إلى درجة الموت
يتبادلون أحاديث "مجفّفة"
حول الترجمة
وأنا ...
أتصنّع الاستمتاع بمهارة عالية جدا .. ) – قصيدة "بحثا عن منطق للهروب" ص93-
وحتى عندما يتمظهر الخطاب خلف أستار ضمائر أخرى كضمير الغائب – الغائبة – مثلا فإنه في حقيقته إنسراب للنواة الإنهمامية الشخصية وإسقاط لها على موقع الشخص الثالث .. وهو ، في البنية الدفينة ، بنية الأحزان المستترة ، شخص أول :
( كيف ستمرّ مساءاتها
حين يوطّد رحيلك علاقتها بالدموع ؟
ولماذا لم تعلّمها قبل الرحيل
كيف يكون "النسيان بداية الحرية"
وأول دروسها ؟
أو تلقنها وصايا "التخريب" المقدّسة
كي تبدأ من الصفر بتاريخ يخلو من الهزائم ؟ ) – قصيدة "رسالة إلى كذّاب" ، ص93و94-
هذا الحكم نمسك به بدقة عبر " الصورة الكلية- الجشطلت – gestalt " التي نكونها للنصوص الأربع عشرة .. فخيط الأحزان الأسود نفسه .. وحلقات الخيبة الثقيلة ذاتها.. والموقف التمرّدي الذي ينجز بروح تضحيوية هي في واقعها روح مازوخية تستقبل الألم وتنتعش به وتوظّفه بألق وهمّة واشتغال حقيقي .. روح دائبة تعبر عنها حتى صيغة الفعل المضارعة المتسيّدة ، وتكرار استخدام الفعل "مازال" .. وهي ليست روح سيزيف الإغريقية رغم أنها قد تبدو شكلا كذلك.. إنها روح مازوخية شرقية شعرية .. روح ذلك الإنسان الذي صورته الأسطورة الصينية وقد حكم عليه بقطع الأحجار .. يقطعها وهو يبكي لتتحول دموعه إلى حجارة.. وهكذا .. والقصة الكاملة لهذه المازوخية المحببة تجدها في قصيدة "الموت على طريقة بروتس" والتي تتطلب وقفة خاصة- :
(ثمة اشياء أجرّبها للمرة الأولى
مثلا :
قراءة تعاويذ "يوذا"
البحث في كتب تفسير الأحلام
إلتماس الأعذار للمدخنين
ولأجرب قدرتي
على إخضاع الأشياء من حولي
أحبس دميتي في درج المكتب
أحرم قطتي من سماع الموسيقى
وأقف لساعات
                  على قدم واحدة
.........
.........
..........
الآن فقط
أشعر بحاجتي
إلى آلاف الأقراص المنوّمة
وقدّيس ...
      يعدني بالغفران ..) – قصيدة "الموت على طريقة يروتس" ، ص 32و33-
وحين تراجع عنوان هذه القصيدة فستجد أن حنان قد استقت منه عنوان مجموعتها بعد أن أسقطت مفردة "الموت" .. هنا تتجلى الغائية المحكمة .. فبالموت تنغلق دائرة الوجود الفردي إلى الأبد في حين أن دائرة وجود الشاعرة منفتحة على عطايا عذاب مديد وإحباطات متطاولة .. هنا لا نجد الإستقبال السلبي المذعن لضغوط العذاب وضربات سياطه رغم أنه يبدو كذلك أمام القراءة السريعة .. هنا نلمس "الوعي" العميق بدور هذا العذاب والإشتغال على مضاعفاته لتحويلها إلى "لذّة" .. إلى وظيفة إيجابية يتكفل بها الشعر:
( الأشباح عالقة بمؤخرة رأسي
وأهدابي
تحمل بقايا الأحلام المزعجة
رغم أنف المياه الباردة جدا
الفضاء من حولي بلا نهاية
وأنا نابتة
في وسط الميدان
لا أعرف اتجاهي
فقط .. أتوسل للأرض
أن تبتلعني
كأنني متجردة من ملابسي
.............................
أخشى أن يسألني عن هويتي أحد ..) – قصيدة "لوغارتيمات" ، ص 51و52-
والخيبة المريرة التي تجسدها حنان شافعي في مجموعتها هذه ، هي خيبة شاملة وخانقة تنوء بكلكلها على صدر الوجود الشخصي .. والجمعي .. وتفسد طعم كلّ شيء في هذه الحياة الصدئة الرتيبة .. على المستوى الشخصي تذكرنا معاناة حنان بمقولة "كافكا" : "هل هناك أمل ؟ نعم .. للخالق أمل عظيم .. أما للإنسان .. فلا !!" .. حلقة مفرغة من المرارات القاهرة :
( مازلتُ
أطارد الهروب
ومازال
يستغيث من إلحاحي
أحاول إقناع نفسي
أن الحلم لم ينته بعد
بينما تكشف أشعة الشمس
أكاذيبي
كما اعتادت غرس سهامها
بأجساد الجدران
لتكشف هشاشتها وضعفها ..) –قصيدة "بلا جدوى" ، ص 25-
هذه الخيبة الماحقة يتعاون ويتعاور عليها لاعبون "ساديون" همهم تحقيق اشد درجات العذاب في النفوس الهشة النبيلة .. نبدأ أولا من "الآخر" الحبيب الذي يتخلى عن موضوع حبه بلا رحمة :
(ليته لم يتخلّ عني
تركني ومنحهم فرصة الإنتصار علي :
جدّي
    وبندول الساعة
    وتلك النملة التي تسكن جفني
مازلت أسابق الاعذار في الطرقات
ألملم شظايا الحلم
كي أصنع بلورة نقية
أراه فيها كلما نظرت إليها ..) – قصيدة "بلا جدوى" ، ص 26-
ثم يأتي لاعب آخر مفرط القسوة في الإهمال وسحق الآمال الجنينية الغضة وتزييف وشائج الارتباط الحامية .. تأتي العائلة التي هي حاضن الوجود الأول ورحمه لتعلّم الفتاة على المهانة والتصافق والإنذلال :
( أجيد ..
تثبيت عضلات وجهي
على ابتسامة عريضة
وإقناع الوالد الذي يحبني
بأنني زوجة مناسبة
كلما دعاني على العشاء
سذاجتي التي يبرهنون عليها جميعا
هي ميراث أبي
الذي يؤمن أن الفقراء فقط
يدخلون الجنة ..) – قصيدة "لن أكرر المحاولة" ، ص44-
بعد العائلة تأتي دوائر أوسع تتعاضد معها في تخريب فطرة الذات الإنسانية وتمزق نسيجها الرقيق.. تأتي دائرة الأصدقاء.. والمجتمع بأكمله .. بقيمه وموروثاته القامعة ونواهيه الجائرة :
( أشياء كثيرة لا أجد مبررا لحدوثها
مثلا:
أبي وأمي اللذان أشك في علاقتي بهما
الأنياب التي دائما تنتظر كبوتي
أصدقائي الذين يحقدون علي
ومجيئي إلى الدنيا ) –قصيدة "في الإتجاه المعاكس" ، ص11-
مجتمع يقوم على العلاقات المنافقة والأفعال المرائية .. مجتمع يتكفل بسحق كل ما هو جميل في هذه الحياة ويبشّر بالقبح والفضيلة الزائفة .. ولا يسلم من طوفان هذا القبح والتشويه الساحق أي شيء : العواطف والزهور والطفولة والقيم :
( الآن
عليّ الإستسلام
لإشارة المرور المستبدة
بجانب بائع الجرائد
الذي لا يعبأ بمعاناتي
وأطفال رائحتهم كريهة
يعطّرون الكون
بأوراق فلّ منهزم
وعاهرة
هاشت حقيقتها
فقتلناها
لنقسم أمام العالم :
أننا قدّيسون ..) – قصيدة "أن أمحوك من ذاكرتي" ، ص 65و66-
مجتمع يسعى حثيثا نحو تبليد المشاعر وتدريب أفراده على القسوة المفرطة .. الآلية .. المقيتة التي تجعل الخراب والدمار مشاعا ومبتذلا .. حدّ أنه يوصل الفرد إلى التشكيك في ذاته .. ووجوده وملامح شخصيته :
( عندما
لم يمهل السائق الكلب
ليعبر الطريق
أيقنت أن التنفس
ليس حقا شرعيا لي
فهل تكفي شهادة ميلادي
وتفاصيل جسدي
ومواثيق الأمم المتحدة
كي أثق بنفسي
ولو للحظة واحدة ؟ ) – قصيدة "لوغارتيمات" ، ص 54و55-
ومن هنا نصل مركز دائرة الخراب الشامل .. حيث تصبح لعنة الخراب والموت والدمار .. زيف العواطف وسحق المشاعر النبيلة .. خواء الحياة والإحساس الماحق بعبثيتها ولاجدواها مدخلا نحو الحلّ الأخير الصادم : الجنون الجمعي .. بقلب أطروحة أن "الإنسان حيوان عاقل" إلى قاعدة "الإنسان حيوان معادي" . تعبر حنان عن هذه النتيجة بمشهد توروي رائع ، وبرزح ساخرة سوداء تستثمر الركوب العام إلى "العباسية" حيث المآل السكني الأخير وحيث مشفى الأمراض العقلية ، وحيث السائق الطبيب المشخّص الذي يقودنا نحو مصائرنا الأخيرة : 
( - عبّاسية .. عبّاسية .. عبّاسية ..
ويشير بيده
إلى انفلات صواميل الجمجمة
أركب بإرادتي
ويتبعني آخرون
كلّ الذين أحبهم
سبقوني إليها .. ) – القصيدة نفسها ، ص 52 –
شكرا حنان شافعي .. فقد قرأنا شعرا ..     
  
  

Friday, June 4, 2010






النص والمعرفي
في ديوان على طريقة بروتس، للشاعرة حنان شافعي

د. محمود الضبع- 6ديسمبر 2009م

ماذا على الشعر أن يقول ؟

كان الاهتمام بالموضوع أحد المرتكزات الفارقة في الشعرية الكلاسيكية ، ولذا كان يناسبها من المناهج النقدية ما يهتم منها بالتفسير والشرح والتوضيح ، والوقوف عند ماذا يريد الشاعر أن يقول ، وماذا يعني ، وهو ما نلمسه لدى الشعراء أنفسهم " أنام ملء جفوني – المتنبي " ، وحكومة أم جندب النقدية بين امرؤ القيس وعلقمة الفحل ، حيث حكمت لعلقمة لأنه استوفى جوانب موضوعه ، والخلاف بين النابغة والخنساء في مجلس حسان بن ثابت بسوق عكاظ ، وغيره من الشواهد التي تؤكد على أهمية الموضوع دون النظر للأبنية وآلياتها ، حيث لم يكن هناك سوى شكل وحيد للبناء على الجميع أن يلزمه "البناء الفني للقصيدة وعمود الشعر كما تم تحديده فيما بعد " .

هكذا كانت عليه الحال في الشعرية العربية القديمة، واستمر الأمر حتى مع عصور النهضة ومرحلة ما بعد شوقي التي لم يزل لها صدى في الذائقة العربية حتى الآن.

إلا أنه ومع سيادة حركة التفعيلة في الشعر العربي ، فقد انفتح الباب على مصراعيه لانتهاك قدسية الموضوع (العقاد على سبيل المثال والتأسيس لحركة تطور فعلية في الشعر فأصبح كل ما تقع عليه العين ويقبل التحليل موضوعا للشعر ) ، وهو ما استثمرته قصيدة النثر في إحداث قطيعتها مع الشعرية العربية القديمة والتأسيس لمنجزها الذي لم يزل بعد في سياق التشكل ، ويوم أن يكتمل منجزه سيكون البحث عن شكل شعري رابع ليس معلوما حتى الآن ، فتلك هي طبيعة الأدب والوعي الثقافي عموما .

ويأتي ديوان "على طريقة بروتس " للشاعرة حنان شافعي واحدا من النماذج المشتبكة مع هذا الوعي ، والمؤسسة لتجربتها الخاصة غير معنية بمفهوم الجيل وتشكل ملامحه ، وتلك إحدى السمات المهمة في النظر إلى مشروع قصيدة النثر عموما ، حيث يمكن القول باختصار إن كتاب قصيدة النثر انتقلوا من "سطوة الجيل إلى البحث عن هوية " بما في ذلك من اختلاف وجهات النظر وآليات تداول القصيدة ، وهو ما يمكن التماسه عبر عناصر التشكيل التي يطرحها الديوان ، ومنها : الذات والموضوع – التمرد والتفرد – المعرفي والشعري – الوعي والقصيدة .


الذات والموضوع :

تماهت العلاقة تماما بين الذات والموضوع مع شعرية الحداثة ، بحيث غدا الخطاب الشعري يتحرك بمنطق الكشف عن الذات وتمثيلاتها ، عن طريق السرد تارة ، وعن طريق تفكيك النص تارة أخرى .

ومنذ البداية تعلن حنان شافعي عن تحويل مركزية النص الشعري حول ذاتها :

إِلَيَّ

وَحْدِي

أَتَمَرَدُ

وَأُجَرِّبُ

وَأَيْضًا أَدْفَعُ الثَّمَنَ

وتأتي القصيدة الأولى أيضا كاشفة عن الاهتمام بالذات بعنوان " في الاتجاه المعاكس " ، تقول:

أَشْيَاءٌ كَثِيْرَةٌ لا أَجِدُ مُبَرِّرًا لِحُدُوثِهَا

مَثَلاً..

أَبِي وَأُمِّي اللّذَانِ أَشُكُّ فِي عَلاقَتِي بِهِمَا

الأَنْيَابُ الَّتِي دَائمًا تَنْتَظِرُ كََبْوَتِي

أَصْدِقَائِيَ الَّذِينَ يَحْقِدُونَ عَلَيَّ

وَمَجِيئِيَ إِلَى الدَّنْيَا.

وشيئا فشيئا تتكشف الذات عن حضور الذات الأنثى التي تعالج عبر النصوص علاقاتها بالعالم من حولها :

علاقتها بأبويها في المقطع الأول .

وعلاقتها بنفسها وبمن تحب في المقطع الثاني .

ثم علاقتها بالآخرين والرغبة في التبرؤ منهم في المقطع الثالث .


التمرد والتفرد :

ولا ينفصل التمرد عن الذات والموضوع ، فموضوع معظم القصائد هو التمرد ، انطلاقا من كون شعرية الحداثة تعتمد على التجريب ، والتجريب هو نوع من أنواع التمرد ، على الأساليب اللغوية وطرائق تراكبها ، على أبنية الشعر ، على الشعرى واللاشعري. وعبر قصائد الديوان تأتي الملامح الدالة على التمرد في تجربة حنان شافعي الشعرية : في الإهداء، حيث يرد التمرد صريحا وواضحا ، ومقبول النتائج (أتمرد وأجرب وأيضا أدفع الثمن).

التمرد على الأبوين وعلى شريك الروح، وعلى من تعرفهم، وعلى وعيها (أقاوم الرغبة في التبرؤ من كل الذين أعرفهم )

التمرد على المجتمع الطبقي والأوجه البراقة للحضارة ، ومنه : التمرد على الأوبرا بوصفها النموذج الأكثر تحضرا في العالم (أتصنع الاستمتاع بمهارة عالية جدا ) فالتصنع يعنى قناعة الوعي بغير ما هو مفروض ، والتمرد على رابطات العنق الأنيقة وتناول طبق من الكشري في مطعم صاخب .. كل هذا دافعه هو التمرد ، تقول :

كُوبْرِي قَصْرِ النِّيلِ

مُمْتَنٌّ جِدًّا لاسْتِقْبَالِي،

وَالجَوُّ مُهَيَّأٌ تَمَامًا

لِمُمَارَسَةِ التَّمَرُّدْ.. ص18

ثم يأتي التمرد الماورائي بمفهوم "ألبير كامي"1، وهو ممارسة طقوس دينية لا تنتمي لمجتمعاتنا وأفكارنا وعقائدنا :

ثمة أشياء أجربها للمرة الأولى

مثلا قراءة تعاويذ بوذا

البحث في كتب تفسير الأحلام .ص32

وكذلك التمرد ضد العلاقات الإنسانية الاجتماعية :

تقليدي أنت كوجه أمي

ممل كدميتي  ص59

إضافة إلى الشخصيات أو الذوات الأخرى التي مرت عبر الديوان تحمل معها تمردها ، بين من يعلق جيفارا على صدره ، ومن تتحدى الفقر ، وهكذا .

المعرفي والشعري:

النص الشعري هو مجمل روافد ثقافية استطاعت أن تختزل الفلسفة والاجتماع والنفس البشرية والسياسة والمعرفة في نص يسمح بتأويلات عدة ، وتلك إحدى مكونات الشعرية وشروطها (تعدد التأويل) ، أما على مستوى التلقي فإن الشعر لايتواصل معه ولا يستقبله في الأساس إلا من يمتلك وعيا ومعرفة وثقافة ، وقبل ذلك جميعه يمتلك إنسانيته ، وقدراته العقلية التخيلية ، والخيال أحد أهم اشتراطات المثقف المعاصر .

وقد تعددت أشكال الخطاب الثقافي في الشعر العربي الحديث، فتنوعت بين السياسي والديني والفكري والفلسفي والتاريخي  ، واتخذ ذلك طريقين :

إما بالتشكل مع الخطاب المعاصر وبخاصة مع السياسي والفلسفي والفكري.

أو بإعادة إنتاج التراثي وبخاصة مع الديني والتاريخي.

ويمكن عبر ديوان "على طريقة بروتس " لحنان شافعي أن نلتمس بعض هذه الروافد المعرفية التي تتخذ مسارها عبر النصوص ، ومنها :

التناصات المتعددة مع التاريخي والفكري والديني ، مثل :

كونفوشيوس الذي علمه الصبر

هو نفسه الذي أوصاني

ألقنه الجنون .    ص 19

أو أن أعالجه من فوبيا عبور الطريق

مقابل أن يكف عن ترجمتي إلى أفكار ص20

صوفية الطاوية

شبق الأربعينات

السماء التي تتوسل رضا البشر

محطات مترو بكين الأكثر انضباطا ص20.

من فضلك

احجب عني عينيك السرياليتين إلى الأبد ص 21.

عنوان "الموت على طريقة بروتس " ص 29.

ثمة أشياء أجربها للمرة الأولى

مثلا قراءة تعاويذ "بوذا" ص32.

الآن أشعر بحاجتي إلى آلاف الأقراص المنومة

وقديس يعدني بالغفران. ص 33.

شكسبير .. لماذا يصر على سرقة أفكاري ؟

بينما تصر جدتي أنني عانس المستقبل. ص40

لكن خوفي على "الفردوس المفقود " مازال يملكني

وكذلك رأس مكبث تطاردني ص43.

هذه المتناصات وغيرها كثير تستدعي بالضرورة وعيا مصاحبا لوعي النص ، وهو وعي لا يأتي بمعرفيته فقط ، وإنما يحمل أيضا معه جمالياته التي ترسخت فينا عبر الزمان ، فالشاعرة عندما تعلن مطاردة رأس مكبث لها ، فهي تستحضر التراجيديا بمفهومها العام ، وتستحضر عالم الرعد والبرق والساحرات والنبوءة وتولى الحكم وفقده .. فكيف ستكون عليه تلك الرأس المشحونة بهذه المآسي عندما تحل في رأس الشاعرة .

التناص مع شكسبير في سرقة الأفكار ، يحيلنا إلى مرحلة نعايشها جميعا ، حيث نرهق أنفسنا في التوصل إلى فكرة ، ثم نكتشف بكل بساطة أنها تم إنجازها على يد كاتب كبير ، وهذا أحد أسرار الكتاب الكبار ، أنهم يعالجون أفكارا كثيرة وعلى مستويات عديدة تكاد تختزل العالم .

أما التناص مع "قديس يعدني بالغفران " فيستدعي فكرة التطهير المسيحية والاعتراف بالذنب في مقابل المحو ، مع ما في المسيحية من روحانية كثيفة وتساهل في الأمر .وفي التناص مع عنوان "الموت على طريقة بروتس " حيث خان بروتس صديقه الحميم يوليوس قيصر ، الذي كان على وشك حكم روما ، واتفق مجلس الشيوخ ضده ، وتوالت الطعنات عليه ، وكان من بينها طعنة بروتس ، وهنا قال يوليوس قولته الشهيرة ، والتي بررها بروتس بأنه يحب يوليوس ولكنه يحب روما أكثر .

فأي مستوى من هذه المستويات تستحضره الشاعرة في نصها ، هل ترى ذاتها في يوليوس قيصر وكل من حولها خانوها ، أم ترى ذاتها في بروتس الذي يمتلك فلسفة كما صورها شكسبير ، أم ترى أن التاريخ يعاد وما فعله بروتس صار طريقة للحياة الآن ؟

هنا ينفتح باب التأويلات ، ويستمر في طريق تشكيل الجمالي والواعي أيضا .


الوعي والقصيدة :

ليست كل القصائد المنجزة في سياق قصيدة النثر تحمل وعيا.

ودائما هناك صراع بين الجميل وبين الكشف عن الوعي ، وتلك إحدى تحديات النص الشعري. لحظة الوعي في القصيدة قد ترد عبر جملة ، أو كلمة ، ولكنها هي التي تبقى حتى بعد الانتهاء من القصيدة .

ينتمي ديوان حنان شافعي إلى الاتجاه الذي يحتفي بالذهني على حساب البلاغي ، وهو اتجاه عالمي له مريدوه ومؤيدوه ، وله رافضوه من باب الصعوبة التي يواجهها التلقي  ،وبخاصة إذا كان النص مسموعا ، ولكن على أية حال فإن شعرية قصيدة النثر بكاملها تكتسب التواصل معها عبر قراءتها وليس عبر الاستماع إليها ، لأسباب عديدة منها اعتياد الأذن على الإيقاع العروضي ، وعدم اعتيادها على الإيقاع الداخلي الذي تبنته قصيدة النثر ، ومنها الفجوات العديدة في مساحات التلقي التي تعتمد عليها القصيدة قياسا إلى الشعرية العمودية أو التفعيلية مثلا .

ونتيجة لاهتمام حنان شافعي بالذهني، فإن النص يبدو صلبا جافا بعض الشيء على مستوى التلقي ، وبخاصة إذا ما تضافر مع ذلك معطيات المعرفي كما تم رصده سابقا .

الوعي دوما حاضر في صياغة التركيب وبناء الصورة :

هي تعلم جيدا

فشل كل كتب الفلسفة

في الإجابة على تساؤلاته

وفشله في الوقوف على المسرح طويلا .  ص 13.

تلك هي إحدى مستويات الوعي بالآخر ، وهو مستوى أعقد من الوعي بأنفسنا ، فنحن قد نصدر هذا الحكم على أنفسنا ، ويكون صادقا ، أما أن نصدره على آخر .. وماذا لو كان ذلك عاما .

ومنه قولها :

أقاوم رغبتي في التبرؤ

من كل الذين أعرفهم .  ص13

فمقاومة الرغبة وعي فارق ، والتمكن من ذلك انتصار . إذ كل شيء يبدأ في الوعي أولا ، ولا تغيير في مسيرة الإنسان والحياة ما لم يتغير الوعي سابقا .

تقول في قصيدة بعنوان "أن أمحوك من ذاكرتي " ص65:

كالعادة

هاربة من اللامعنى

أجتهد في تجاهل صوت داخلي يلح علي ضرورة انسحابي

أفشل

وأعود لأفشل ثم أعود

وعلى الرغم من أن النهاية تتبنى المفارقة في الارتباط بإشارة المرور ، إلا أن الوعي حاضر في المحاولات التي تقوم بها ، وفي الإصرار على امتلاك القدرة على الانسحاب . وفي هذا السياق تأتي قصائد عدة ، منها قصيدة مراوغة الأخيرة على سبيل المثال ، وهي قصيدة تحتمل العديد من التأويلات على مستويات عدة ، فقد يتم تلقيها في سياق الوعي الذي يحضر ثائرا على فتور العلاقات الزوجية ، وقد يتم تلقيها في سياق الوعي بالوضع العام لحياتنا وعلاقتنا الاجتماعية والسياسية .. إلى ما يمكن أن يحتمله النص من تأويلات تبعا لقدرة المتلقى وتوجهاته .


ختام :

ديوان "على طريقة بروتس " هو الديوان الأول للشاعرة حنان شافعي ، والتجربة الأولى تخرج بطزاجتها وجمالها ، ولكنها تظل تجربة أولى ، فكما لو كان الحكم بالشاعرية يبقى معها مؤجلا حتى تتضح لدينا معالم التجربة عبر أكثر من ديوان ، ثم عبر المشروع الشعري إجمالا .

غير أن ذلك لا ينفي أن نتعامل مع الديوان في إطار الأعمال الأخرى المجايلة له ، والأصوات الشعرية الأخرى داخل إطار قصيدة النثر من جهة ، وأن نتعامل مع الديوان عبر البناء الفني والآليات التي اعتمدها ، ومنها على سبيل المثال بنية المفارقة بأنواعها : المفارقة اللغوية ، ومفارقة الموقف ، ومفارقة الحالة ... إلخ ، حيث كانت هناك إمكانات ومساحات مضيئة عبر القصائد والنصوص لكنها لم تستثمر على هذا النحو لصالح بناء النص .

فمثلا نص مثل : أن أمحوك من ذاكرتي ص 65 كان يمكن استثمار بنية المفارقة فيه ، وهي متحققة ، لكنها في الإمكان تعميقها على نحو أكبر ، فلا ينتهي النص بمجرد ذكر إشارة المرور بجانب بائع الجرائد ، حيث انتقل هنا النص إلى محاولة كتابة اليومي والمعيش ، فخفتت البنية الفنية . أيضا بناء الصورة والفجوات التي يجب أن يصنعها النص ليخرج من إطار السردية والنثر الفني إلى إطار شعرية قصيدة النثر ، ثمة صور وعلاقات لغوية :

ما زال يصر على استدراجي للركض في شوارع عقله اللانهائية .

وأهرامات ثقافتي تتخلى عن تماسكها . ص20

غير أن الديوان في سياق تجربته يضم إلى منجز قصيدة النثر في مصر، ويعبر عن وجهة نظر كاتبته في الحياة واللغة والشعر ، وهو لها في النهاية


Monday, May 17, 2010

دائرة التمرد
دراسة فى ديوان "على طريقة بروتس" للشاعرة حنان شافعي
بقلم/ جمال العسكري
أنا زعيم بأن هذا الديوان يمثل مع غيره خطوة نحو إدراك الذات بوصفها آخر متأملا في مرحلة من أصفى مراحل الوعي الشعري حين تملك الذات الشاعرة قدرة جديرة بالانتباه إليها في جعل نفسها موضع تأمل يبلغ حدَّ تفكيك المشاعر تفكيكا يسمح بتأمل هذه المشاعر التي تنتظم معًا في سلك واحد حين نعيها ذاتا شاعرة تتحرك بيننا.
الأمر الذي يسمح بإجراء هذا الحوار الهامس بين الذات الشاعرة و الذات المتخيلة التي تتحرك بين سطور الديوان وكانت وسيلة ذلك في عدد من الأمور:_
الإدراك الواعي لفكرة التفكيك الداخلي الذي تمارسه الذات الشاعرة لنفسها بوصفها متأمَلا خاضعا للفحص والتأويل الدقيق يبدأ ذلك من عنوان الديوان نفسه على طريقة بروتس، هذا الذي يخايلنا من بعيد بدرجة من درجات الصراع بين الواجب والعاطفة المقدسة حين يقتضي هذا الصراع الانتصار للواجب بإزاء مشاعرنا وعواطفنا التي قد تتوهم قداستها لحظة الصراع في حين يصبح الانتصار للواجب إلى القداسة الكبرى التي تعلو على الطاقات المحدودة بل قد يستحيل أن يقدر عليها إلا نفر قليل يملكون من الطاقات ما يمكّنهم من التصدي لرغباتهم الموقوتة وصولا إلى الواجب الأوحد الأقدس ساعتئذ ولعل صفحة الإهداء فيما بعد تتيح هذا التصور

إلّى . .
وحدي
أتمرد
وأجّرب
وأيضًا أدفع الثمن