Thursday, August 12, 2010




 
حنان شافعي : المازوخية المحببة
حسين سرمك
( كالعادةِ
هاربة من اللامعنى
أجتهد في تجاهل
صوت داخلي
يُلح على ضرورة انسحابي
أفشل
وأعود
لأفشل
ثم أعود .. ) – قصيدة "أن أمحوك من ذاكرتي" – ص 65 " –
وسط هذا الكم الهائل والخانق من النصوص "الشعرية" الذي تطلع علينا به الصحافة الأدبية يوميا حتى صار مغثيا أحيانا ، تمر بك لحظات تشعر أن الشعر الجيد صار عملة نادرة جدا خصوصا في ما يكتبه الشعراء الشباب . لكن بين وقت وآخر ، تهب في سماء الشعر الكامدة نسمة آسرة تنعش ذائقتك .. وتوقظ عيني بصيرتك .. وتشعرك أن الشعر بخير .. وأن هناك من يدرك شروط كتابة قصيدة "حديثة" بعيدا عن اللعب اللفظي المُلغز .. وعن الجنوح القصي لألعاب المخيلة التي جعلت فهم ما يكتبه بعض الشعراء عصيّا على الشعراء أنفسهم .. وطوّحت بالشعر ليصبح فن نخبة ويفقد مادة حياته ونمائه وموضوعه المركزي : الإنسان. ومن هذه النسمات التي هبت بهدوء مفعمة بالشعر والصور المدهشة والأفكار الأخّاذة والبناء المحكم هي مجموعة (على طريقة بروتس) لـ "حنان شافعي".. عملية الخلق الشعري ، وبعيدا عن أطروحات ربّات الإلهام وشياطين عبقر التبسيطية ، هي عملية ذهنية – رغم الفاعلية الهائلة لقوى اللاشعور- مضنية ومخططة بقصدية عالية . تظهر هذه القصدية لدى حنان من العنوان "على طريقة بروتس" .. ومن وقفة الإهداء :
"إليّ :
وحدي
أتمرد
وأجرّب  
وأيضا أدفع الثمن "
.. وبروتس كرمز يعني – من بين ما يعنيه - هذه القدرة الفذّة والعزوم على "تجريب" المؤامرة .. بمفرده .. ثم دفع الثمن بتوقع ومثابرة .. منه وحده .. وإليه وحده .. ومن هذا الفهم الذي لخصته جملة الإهداء تمتد الخيوط المركزية التي تنسج منها حنان مباني نصوصها ومعانيها .. مضامينها وأشكالها.. ممثلة بهذه الأنوية الغامرة .. والروح المتمرد .. والتجريب .. والروح الخلاصية التضحيوية .. أغلب نصوص المجموعة تطرح بلسان الضمير المتكلم "الأنا" .. فالشعر مشروع ذاتي .. يبدأ بالتخلق من أعماق ظلمات اللاشعور الفردي ليتلبس الأغطية الشخصية أو الجمعية على حد سواء .. الجذر يبقى واحدا :
(خلف أسوار الأوبرا المتعجرفة
حيث الأشياء
متحضّرة إلى درجة الموت
يتبادلون أحاديث "مجفّفة"
حول الترجمة
وأنا ...
أتصنّع الاستمتاع بمهارة عالية جدا .. ) – قصيدة "بحثا عن منطق للهروب" ص93-
وحتى عندما يتمظهر الخطاب خلف أستار ضمائر أخرى كضمير الغائب – الغائبة – مثلا فإنه في حقيقته إنسراب للنواة الإنهمامية الشخصية وإسقاط لها على موقع الشخص الثالث .. وهو ، في البنية الدفينة ، بنية الأحزان المستترة ، شخص أول :
( كيف ستمرّ مساءاتها
حين يوطّد رحيلك علاقتها بالدموع ؟
ولماذا لم تعلّمها قبل الرحيل
كيف يكون "النسيان بداية الحرية"
وأول دروسها ؟
أو تلقنها وصايا "التخريب" المقدّسة
كي تبدأ من الصفر بتاريخ يخلو من الهزائم ؟ ) – قصيدة "رسالة إلى كذّاب" ، ص93و94-
هذا الحكم نمسك به بدقة عبر " الصورة الكلية- الجشطلت – gestalt " التي نكونها للنصوص الأربع عشرة .. فخيط الأحزان الأسود نفسه .. وحلقات الخيبة الثقيلة ذاتها.. والموقف التمرّدي الذي ينجز بروح تضحيوية هي في واقعها روح مازوخية تستقبل الألم وتنتعش به وتوظّفه بألق وهمّة واشتغال حقيقي .. روح دائبة تعبر عنها حتى صيغة الفعل المضارعة المتسيّدة ، وتكرار استخدام الفعل "مازال" .. وهي ليست روح سيزيف الإغريقية رغم أنها قد تبدو شكلا كذلك.. إنها روح مازوخية شرقية شعرية .. روح ذلك الإنسان الذي صورته الأسطورة الصينية وقد حكم عليه بقطع الأحجار .. يقطعها وهو يبكي لتتحول دموعه إلى حجارة.. وهكذا .. والقصة الكاملة لهذه المازوخية المحببة تجدها في قصيدة "الموت على طريقة بروتس" والتي تتطلب وقفة خاصة- :
(ثمة اشياء أجرّبها للمرة الأولى
مثلا :
قراءة تعاويذ "يوذا"
البحث في كتب تفسير الأحلام
إلتماس الأعذار للمدخنين
ولأجرب قدرتي
على إخضاع الأشياء من حولي
أحبس دميتي في درج المكتب
أحرم قطتي من سماع الموسيقى
وأقف لساعات
                  على قدم واحدة
.........
.........
..........
الآن فقط
أشعر بحاجتي
إلى آلاف الأقراص المنوّمة
وقدّيس ...
      يعدني بالغفران ..) – قصيدة "الموت على طريقة يروتس" ، ص 32و33-
وحين تراجع عنوان هذه القصيدة فستجد أن حنان قد استقت منه عنوان مجموعتها بعد أن أسقطت مفردة "الموت" .. هنا تتجلى الغائية المحكمة .. فبالموت تنغلق دائرة الوجود الفردي إلى الأبد في حين أن دائرة وجود الشاعرة منفتحة على عطايا عذاب مديد وإحباطات متطاولة .. هنا لا نجد الإستقبال السلبي المذعن لضغوط العذاب وضربات سياطه رغم أنه يبدو كذلك أمام القراءة السريعة .. هنا نلمس "الوعي" العميق بدور هذا العذاب والإشتغال على مضاعفاته لتحويلها إلى "لذّة" .. إلى وظيفة إيجابية يتكفل بها الشعر:
( الأشباح عالقة بمؤخرة رأسي
وأهدابي
تحمل بقايا الأحلام المزعجة
رغم أنف المياه الباردة جدا
الفضاء من حولي بلا نهاية
وأنا نابتة
في وسط الميدان
لا أعرف اتجاهي
فقط .. أتوسل للأرض
أن تبتلعني
كأنني متجردة من ملابسي
.............................
أخشى أن يسألني عن هويتي أحد ..) – قصيدة "لوغارتيمات" ، ص 51و52-
والخيبة المريرة التي تجسدها حنان شافعي في مجموعتها هذه ، هي خيبة شاملة وخانقة تنوء بكلكلها على صدر الوجود الشخصي .. والجمعي .. وتفسد طعم كلّ شيء في هذه الحياة الصدئة الرتيبة .. على المستوى الشخصي تذكرنا معاناة حنان بمقولة "كافكا" : "هل هناك أمل ؟ نعم .. للخالق أمل عظيم .. أما للإنسان .. فلا !!" .. حلقة مفرغة من المرارات القاهرة :
( مازلتُ
أطارد الهروب
ومازال
يستغيث من إلحاحي
أحاول إقناع نفسي
أن الحلم لم ينته بعد
بينما تكشف أشعة الشمس
أكاذيبي
كما اعتادت غرس سهامها
بأجساد الجدران
لتكشف هشاشتها وضعفها ..) –قصيدة "بلا جدوى" ، ص 25-
هذه الخيبة الماحقة يتعاون ويتعاور عليها لاعبون "ساديون" همهم تحقيق اشد درجات العذاب في النفوس الهشة النبيلة .. نبدأ أولا من "الآخر" الحبيب الذي يتخلى عن موضوع حبه بلا رحمة :
(ليته لم يتخلّ عني
تركني ومنحهم فرصة الإنتصار علي :
جدّي
    وبندول الساعة
    وتلك النملة التي تسكن جفني
مازلت أسابق الاعذار في الطرقات
ألملم شظايا الحلم
كي أصنع بلورة نقية
أراه فيها كلما نظرت إليها ..) – قصيدة "بلا جدوى" ، ص 26-
ثم يأتي لاعب آخر مفرط القسوة في الإهمال وسحق الآمال الجنينية الغضة وتزييف وشائج الارتباط الحامية .. تأتي العائلة التي هي حاضن الوجود الأول ورحمه لتعلّم الفتاة على المهانة والتصافق والإنذلال :
( أجيد ..
تثبيت عضلات وجهي
على ابتسامة عريضة
وإقناع الوالد الذي يحبني
بأنني زوجة مناسبة
كلما دعاني على العشاء
سذاجتي التي يبرهنون عليها جميعا
هي ميراث أبي
الذي يؤمن أن الفقراء فقط
يدخلون الجنة ..) – قصيدة "لن أكرر المحاولة" ، ص44-
بعد العائلة تأتي دوائر أوسع تتعاضد معها في تخريب فطرة الذات الإنسانية وتمزق نسيجها الرقيق.. تأتي دائرة الأصدقاء.. والمجتمع بأكمله .. بقيمه وموروثاته القامعة ونواهيه الجائرة :
( أشياء كثيرة لا أجد مبررا لحدوثها
مثلا:
أبي وأمي اللذان أشك في علاقتي بهما
الأنياب التي دائما تنتظر كبوتي
أصدقائي الذين يحقدون علي
ومجيئي إلى الدنيا ) –قصيدة "في الإتجاه المعاكس" ، ص11-
مجتمع يقوم على العلاقات المنافقة والأفعال المرائية .. مجتمع يتكفل بسحق كل ما هو جميل في هذه الحياة ويبشّر بالقبح والفضيلة الزائفة .. ولا يسلم من طوفان هذا القبح والتشويه الساحق أي شيء : العواطف والزهور والطفولة والقيم :
( الآن
عليّ الإستسلام
لإشارة المرور المستبدة
بجانب بائع الجرائد
الذي لا يعبأ بمعاناتي
وأطفال رائحتهم كريهة
يعطّرون الكون
بأوراق فلّ منهزم
وعاهرة
هاشت حقيقتها
فقتلناها
لنقسم أمام العالم :
أننا قدّيسون ..) – قصيدة "أن أمحوك من ذاكرتي" ، ص 65و66-
مجتمع يسعى حثيثا نحو تبليد المشاعر وتدريب أفراده على القسوة المفرطة .. الآلية .. المقيتة التي تجعل الخراب والدمار مشاعا ومبتذلا .. حدّ أنه يوصل الفرد إلى التشكيك في ذاته .. ووجوده وملامح شخصيته :
( عندما
لم يمهل السائق الكلب
ليعبر الطريق
أيقنت أن التنفس
ليس حقا شرعيا لي
فهل تكفي شهادة ميلادي
وتفاصيل جسدي
ومواثيق الأمم المتحدة
كي أثق بنفسي
ولو للحظة واحدة ؟ ) – قصيدة "لوغارتيمات" ، ص 54و55-
ومن هنا نصل مركز دائرة الخراب الشامل .. حيث تصبح لعنة الخراب والموت والدمار .. زيف العواطف وسحق المشاعر النبيلة .. خواء الحياة والإحساس الماحق بعبثيتها ولاجدواها مدخلا نحو الحلّ الأخير الصادم : الجنون الجمعي .. بقلب أطروحة أن "الإنسان حيوان عاقل" إلى قاعدة "الإنسان حيوان معادي" . تعبر حنان عن هذه النتيجة بمشهد توروي رائع ، وبرزح ساخرة سوداء تستثمر الركوب العام إلى "العباسية" حيث المآل السكني الأخير وحيث مشفى الأمراض العقلية ، وحيث السائق الطبيب المشخّص الذي يقودنا نحو مصائرنا الأخيرة : 
( - عبّاسية .. عبّاسية .. عبّاسية ..
ويشير بيده
إلى انفلات صواميل الجمجمة
أركب بإرادتي
ويتبعني آخرون
كلّ الذين أحبهم
سبقوني إليها .. ) – القصيدة نفسها ، ص 52 –
شكرا حنان شافعي .. فقد قرأنا شعرا ..     
  
  

Sunday, August 8, 2010


ينتظر تطويرات ضمن مشروع قلب الشارقة

             سوق العرصة ...بوح مستمر بأسرار التاريخ والجمال

حنان شافعيالشارقة

لأن القلب موطن الأسرار، فليس أقدر ولا أحق من سوق العرصة على حفظ أسرار الشارقة ،ولأن الشارقة كانت،ولا تزال، واحدة من أهم وأبرز المدن الإماراتية والعربية،فنحن نتوق إلي ما يبوح به سوق العرصة والذي يعد رصدا حقيقيا لحركة تطور مدني شهدتها المنطقة برمتها علي كافة مستويات التفاعل الحضاري والحراك الإنساني . يمتد تاريخ هذا السوق إلى ما يقرب من مائتي عام ،وهو من أقدم الأسواق الشعبية بالإمارات بل هو أقدمها علي الإطلاق مما أهله ليصبح مزارا سياحيا ووجهة لأي باحث في تراث الدولة والدول المحيطة بها أو التي ترتبط معها بعلاقات تاريخية تمتد إلى التجارة والصناعة والسياسة بلا أدني شك .   

يقول مدير إدارة التراث والشؤون الثقافية بدائرة الثقافة والإعلام بالشارقة ،عبد العزيز المسلم "هذا السوق أقدم تجمع تجاري في دولة الإمارات ،وقد ذكره الرحالة الذين مروا بالمنطقة كما ورد بكل الرسومات والخرائط القديمة التي تناولت الفضاء الجغرافي للشارقة وما حولها من مدن" ويؤكد المسلم أن السوق تتابعت عليه أجيال مختلفة من أصحاب المحال والتجار والزبائن "حتى أصبح وجهة للنخب من هواة جمع التحف والمهتمين بالتاريخ من مصر والعراق والمغرب وإيران،كما يعد مقرا لعقد صفقات تجارية هامة".

وقد سمي السوق بهذا الاسم لأن "العرصة" هي البقعة الفارغة بين الدور حيث كانت البضائع تجلب إليها ويتم تبادلها بنظام المقايضة ،وهو يضم 87 محلا متفاوتة الأحجام والمساحات وله تسعة أبواب تغلق في المساء كنوع من التأمين. يحكي المسلم أن"إدارة التراث تسلمت السوق عام 1990 لتتولى ترميمه وإعداده،بشكل مرحلي، ليصبح مزارا سياحيا معبرا عن تاريخ وتراث المنطقة ، وبالفعل تم افتتاحه عام 1995 باعتباره السوق القديم الذي ينقسم إلى سوق العرصة والسوق المسقوف وسوق الشيخ صقر" .و يضيف مدير التراث بالشارقة أن المرحلة القادمة في تطوير سوق العرصة تأتي ضمن مشروع هيئة الشارقة للتطوير والاستثمار "شروق" التي تتبنى أضخم مشروع تراثي في الخليج العربي والمنطقة وهو "قلب الشارقة" الواقع في المنطقة التراثية. 

الأشياء تحكي

ومما ساعد على انتعاش هذه البقعة وتطورها لتشغل مكانا استراتيجيا في حركة البيع والشراء ،موقع مدينة الشارقة ذاته من حيث الملاحة و البضائع القادمة من الهند واليمن وعمان وإيران ،إذ تنوعت ما بين أقمشة وسجاد وحلي وأسلحة ومواد غذائية. المدهش أن تلك هي البضائع الموجودة بالسوق حاليا ولكن في صورتها القديمة أو "التراثية" كما اصطلح عليها ،فمثلا لازال السوق مقصدا لمن يريد شراء سجاد يدوي أصيل بكل أنواعه ومقاساته،وهناك دكاكين أو محلات متخصصة في بيعه دون غيره من البضائع مثل محل الشيخ سعيد محمد ،يمني الأصل، الذي يقول"أعمل في تجارة السجاد اليدوي بسوق العرصة منذ ثلاثين عاما إذ جئت إلى الشارقة شابا صغيرا لأبيع وأشتري ثم استقر بي الحال داخل الدولة وأصبحت لي أسرة يعمل معظم أفرادها في نفس التجارة".

 وبخلاف السجاد اليدوي،يعج دكان الشيخ سعيد بعشرات بل مئات القطع الأثرية من خناجر وبنادق قديمة وحلي واردة من  اليمن وأفغانستان إضافة إلي أحجار كريمة ولؤلؤ وأصداف تتعدد أشكالها وألوانها ،وبنبرة يملأها الزهو يتابع الشيخ سعيد قائلا"زبائني من أهم الشخصيات الإماراتية والعربية لأنني أهتم باقتناء أجود أنواع السجاد الإيراني الذي يتم استيراده من أصفهان وشيراز وكاشان، كما أهتم أيضا بالبحث عن القطع الأثرية الأخرى كالخناجر التي أجلبها من اليمن وهي تعود إلى شيوخ وقضاة القبائل اليمنية القديمة ومنها ما يعود إلى عام 1818" .وبالإنصات إلى الشيخ سعيد تشعر أنه ممتلئ تماما بعشقه للتحف والبضائع ذات التاريخ حتى أنك بسؤال بسيط عن أية قطعة في المحل تكتشف أن وراءها حكاية طويلة ومثيرة لا تملك إلا أن تتورط فيها مع هذا الراوي المخضرم.

علي الجانب الآخر وقف صلاح "18 عاما" الابن الثاني للشيخ سعيد والذي يعمل مع والده في السوق منذ 5 سنوات ،بدا صلاح غير متحمس لوجهة نظر والده ،بل ربما غير مستمتع بالتجربة على الإطلاق  يقول"في بداية عملي هنا أحببت السوق والجو العام له لكني الآن أشعر بالملل وعدم جدوى الاستمرار في هذه التجارة غير المربحة ،فالأمور لم تعد كالماضي بسبب قلة الزبائن وضعف حركة البيع والشراء". و يدعم التاجر الابن وجهة نظره حول السوق معلقا "الحكومة لا تقوم بواجبها تجاه السوق كما ينبغي من حيث الاهتمام بالنظافة والديكور والإضاءة فضلا عن الدعاية الإعلامية التي تلعب دورا كبيرا في التعريف بالمكان مثلما تفعل مع المتاحف وغيرها من الأماكن التراثية بالشارقة".

 ويؤكد صلاح الطالب بالمرحلة الثانوية، أن علاقته بتجارة التحف تعد نوعا من الميراث الذي انتقل إليه من الوالد وكذلك من الأخ الأكبر الذي سبق ولعب دوره في السوق إلي أن أصبحت له تجارة مستقلة في الفجيرة حيث تعلم منهما كيف يتعامل مع السائحين الأجانب،فهو يجيد التواصل بالإنجليزية والفرنسية والروسية والألمانية وقليل من الصينية، كما تعلم من والده أسماء وأنواع الأحجار والمشغولات وكيفية التفريق بين الأصلي منها وما تم تقليده . ورغم ذلك كله يؤكد صلاح علي عدم ارتياحه لهذه التجارة خاصة في الأسواق العربية ،يقول" أحلم بفتح فروع لتجارة التحف بأوروبا لأن الغربيين يقدرون الرموز التراثية بصورة مبهرة، فأبي هنا قد يظل محتفظا ببضاعة ما لسنوات ممتدة حتى يجد لها مشتريا قيما أو يضطر لبيعها كي يتخلص منها بغير مكسب أما أنا، فليس لدي استعداد لأضيع عمري في الانتظار".

ملتقى للحضارات

كما سبق وأشرنا ،يعد التنوع سمة أصيلة  من سمات سوق العرصة ، فهو بمثابة مسرح تتجسد عليه شخصيات حضارية عديدة ،لكل شخصية منها أدائها وزيها ورائحتها الخاصة،  يمكنك مثلا أن تتعرف على شخصية المرأة وحياتها في  القبيلة في شتى صورها ومستوياتها ،وعبر قبائل عربية وأعجمية ،من خلال المشغولات والحلي التي تمتلئ بها محال التحف والإكسسوارات المختلفة منها الهندي والأفغاني واليمني والعماني كل في تخصصه . ولا يتوقف الأمر عند ذلك بل إن هناك تخصصات بعينها في الأحجار الكريمة، أو المنسوجات والحرائر، أو المعادن، الثمين منها والرخيص.

 وفي إطار التنوع الثقافي الذي يمثله سوق العرصة هناك محال العملات المعدنية والورقية ،والتي يعود تاريخها إلي عشرات السنين ومنها ما تم إصداره في مناسبات معينة يقول سالم ،أحد عشاق اقتناء العملات،"أحب عملة لدي تلك التي أصدرتها الإمارات عام 1970 بعد وفاة الرئيس المصري جمال عبد الناصر مباشرة وقد طبعت عليها صورته في لمحة تذكارية، وكانت الدولة آنذاك لم تنه بعد التعامل النقدي بالروبية الهندية".

ومن المحال الوحيدة في السوق أي غير المتكررة من حيث الثقافة أو البضاعة ،محل بيع الحلويات البحرينية ومحل حلاقة يعود تاريخه إلي سنوات طويلة ،وقد تتابعت عليه أجيال من الحلاقين الباكستانيين ويسمي "صالون العرصة للحلاقة"، أيضا هناك محل لبيع القبعات والنياشين العسكرية ،وهو يضم تشكيلة تاريخية من قبعات مميزة تحمل علامات النازي والجيش الإنجليزي وشارات عسكرية أخرى .

ولازلنا مع المحال المميزة، لكن هذه المرة يختلف المحل كثيرا عن الآخرين. وينبع هذا الاختلاف من بيعه لبضاعة محلية قديمة جدا ألا وهي "التبغ" التقليدي، الذي يتم اقتنائه علي شكله البدائي "في صورة شجرة جافة". ويعد تاريخ محل التبغ هذا من تاريخ سوق العرصة نفسه ، بل من تاريخ الأجيال الكثيرة التي تعاقبت عليه وعلي تطور دولة الإمارات بشكل عام . الغريب أنه محل شديد البساطة، صغير الحجم، تستسلم أشجار التبغ بهدوء في منتصفه مختبئة داخل غطاء من الخوص، وفي أحد أركانه ميزان قديم جدا بجانبه وعاء تراثي لحفظ المياه باردة، وقد أكد التجار المحيطين بمحل التبغ أنه "كان يعمل بصورة منتظمة حتى وقت قريب،إلا أنه أصبح مغلقا لفترات طويلة بسبب مرض صاحبه، ورغم ذلك يأتي إليه زبائنه من كافة الإمارات" .

للمشاهدة فقط

هذا هو الشعار الذي يرفعه محل "عجائب البحار للتحف" المملوك للمواطن عبد الله الشويحي والذي يمتلأ بالعديد من أنواع الأسماك والتحف البحرية والمرجان واللؤلؤ التي يرفض صاحب المحل بيعها للأفراد سواء كانوا سائحين أو مواطنين مكتفيا بعرضها فقط مهما بلغت قيمتها أو قيمة الأرقام التي قد يعرض المشتري دفعها في المقابل. يقول المشرف علي المحل ويدعي عبد الشكور،هندي،"مبدأ عدم بيع المعروضات هو سياسة صاحب المحل الذي لا تأتي التجارة في مقدمة أولوياته فهو يملك محلات أخرى في دبي ،أما محل سوق العرصة فيعتبره مزارا سياحيا وتراثيا فقط ". ويعد البحر جزءا لا يتجزأ من ثقافة الإمارات وأهم منافذها علي العالم حيث أنشطة الملاحة والصيد ورحلات البحث المتواصلة عن اللؤلؤ وغيره من الثروات البحرية التي كانت تشكل تقريبا كل عناصر الحياة في الماضي. وقد استخدم المواطن القديم الحجر البحري في بناء بيته،وهو مستخدم كذلك في التصميم الداخلي للمحل، كما اكتسب رزقه من الصيد وما يجلبه البحر من خيرات يتمثل معظمها في مقتنيات هذا المحل القائم بقلب سوق العرصة .

ويشرح عبد الشكور كيفية التعامل مع الكائنات البحرية المنتشرة في أركان المحل مشيرا إلى انبهار الجميع بها سواء السائحين الأجانب أو زوار السوق بشكل عام و حتى أطفال المدارس الذين يأتون في رحلات لزيارة المحل ومشاهدة المرجان الأحمر والأبيض والقواقع النادرة ونجوم البحر بمختلف أحجامها. ويضيف المشرف قائلا"لدينا أنواع مميزة من أسماك التايجر والصندوق والقرش وأيضا أسماك الكافيار وحصان البحر، وكلها حقيقية تماما إذ تم اصطيادها وجلبها من بيئات بحرية مختلفة ثم تم حفظها بطريقة معينة كي نضمن استمرارها دون أية تأثر أو تلف ".     

يطل علينا في رمضان عبر شخصيات متعددة
الممثل والمخرج محمد غباشي : "الفن والإعلام رسالة واحدة"

حنان شافعي-الشارقة

"أنا مقصر تجاه المسرح لكن العمل الإعلامي يسرق الوقت، وفي الوقت نفسه لا يقل أهمية عن الفن" بهذه العبارة بدأ الفنان والإعلامي المصري محمد غباشي حديثه حول مجمل أعماله الفنية وأحدثها الذي سوف يطل به في رمضان عبر شاشة تليفزيون دبي وسما دبي . محمد غباشي الذي يحسب على المسرح تمثيلا وإخراجا، يعمل حاليا كمعد ومنتج منفذ لعدد من البرامج على تليفزيون الشارقة لكنه يحرص في الوقت نفسه على التواجد ضمن سوق الدراما التليفزيونية وربما في السوق الإماراتي تحديدا خلال شهر رمضان خاصة وهو يجيد التمثيل بمختلف اللهجات العربية والخليجية،يعلق على ذلك قائلا "سوق الدراما الرمضاني هو الماراثون الأكبر لفرص العرض والطلب لذلك أحرص على التواجد ربما على حساب جودة الأعمال أحيانا لكنني بدون ذلك لن أجد فرصا موازية" ويؤكد غباشي أن هذا هو حال الجميع في حلبة التنافس الرمضانية التي تتحكم فيها آليات السوق من شروط المنتجين وشيوع نوعية معينة من الأدوار وخلافه.

معلم وصحفي ومندوب مبيعات

وعن الشخصيات التي يقدمها هذا العام يقول الممثل محمد غباشي " أفضل تقديم شخصيات واقعية تمس المشاهد بحيث يكتشف أنها تعيش معه وحوله في المجتمع، كما تجذبني الأدوار التي أقدم فيها شخصيات كوميدية ساخرة لأنها تصبح أقرب للمشاهد وأخف ظلا" هذا بالفعل ما ينطبق على الشخصيات التي يقدمها غباشي هذا العام أيضا ففي الجزء الثاني من مسلسل "طماشة 2"،وهو من تأليف سلطان النيادي وإخراج عارف الطويل، يقدم غباشي أكثر من شخصية كوميدية من خلال حلقات منفصلة متصلة وبلهجات متعددة تشمل المصرية والشامية والخليجية . تدور فكرة المسلسل في إطار اجتماعي ساخر يتناول قصص مختلفة وشخصيات نقابلها في الشارع والعمل والأماكن العامة ، على سبيل المثال يلعب غباشي دور سمسار مصري "وسيط عقاري" يعرف كل سكان الحي ويتدخل في شئونهم حتى يصبح من أكبر ملاك العقارات ويتحكم في السكان، كما يقدم أيضا شخصية مندوب مبيعات لأحدى الشركات السياحية الذي يتعامل مع الناس بإلحاح شديد وأحيانا بطريقة يشوبها الاستغلال.

في المسلسل الثاني "أحلام سعيد"، وهو تأليف البحريني عيسى الحمر وإخراج الأردني حماد الزعبي وبطولة الإماراتيين جمعة علي و سميرة أحمد، يقدم محمد غباشي شخصية الصحفي الانتهازي "برغش" الذي يستغل الثراء المفاجئ للبطل، وكذلك بساطته وضعف شخصيته لتحقيق مكاسب مادية وأدبية على حسابه وذلك من خلال السيطرة على تفاصيل حياته وتوجيهه لصالح أطماع ذلك الصحفي وأيضا تدور الأحداث في إطار اجتماعي كوميدي ينتقد مثل هذه النماذج البشرية المرفوضة. أما العمل الثالث الذي يطل منه غباشي على الشاشة الرمضانية  فهو  مسلسل "زمن طناف" من تأليف وإنتاج الإماراتي سلطان النيادي وإخراج السوري باسم شعبو أما البطولة فلمجموعة كبيرة من الممثلين في مقدمتهم الفنان "جابر نغموش" والفنانة أشجان والمصري "محمد الصاوي" وهو يلقي الضوء على مرحلة هامة في تاريخ دولة الإمارات تبدأ من مرحلة السبعينات وصولا إلى الوقت الحاضر بما فيها من تحولات كبيرة على المستويين المحلى والعربي.
يقول غباشي عن زمن طناف "أقدم في هذا المسلسل شخصية معلم أردني جاء إلى البلاد ليفيد أبناء الإمارات بخبرته وعلمه في أصول اللغة العربية وكان في الوقت نفسه يبث فيهم أفكاره عن الهوية العربية وأهمية اللغة والثقافة لذلك تحمست للدور بدون تردد" وتلعب المدرسة التي يعمل بها هذا المدرس دورا أساسيا في أحداث المسلسل إذ كانت تقع في منطقة بين أبوظبي والعين و كانت مركزا لأهل المنطقة إذ تدور في أروقتها أحاديث حول حرب 73 كما يتجمع بها المواطنون للتبرع بالدم والمال من أجل مساندة المصريين في الحرب مثلما جمعت في الوقت نفسه معلمين من مختلف الأقطار  العربية كما كان سائدا في ذلك الوقت. ويؤكد الفنان محمد غباشي "أن هذا العمل هو الأول من نوعه بحيث يتناول قضايا هامة في تاريخ الأمارات خاصة فترة اكتشاف البترول والتحولات الحضارية والاجتماعية التي طرأت على المجتمع وهو محاولة لتذكير الأجيال الجديدة بمواقف وهوية أجدادهم".

ظواهر

وردا على سؤال حول الجمع بين العمل الفني والإعلامي قال محمد غباشي"لا فرق عندي بين الرسالة الحقيقية للفن والإعلام، فكلاهما صنو الآخر هذا هو أصل الأشياء، أما ما يحدث الآن في سوق الفضائيات والاستسهال فهو مجرد ظواهر ليست أصيلة أو حقيقية" مشيرا إلى خطورة الثقافة الإعلامية السائدة حاليا والتي تعمل بمبادئ استهلاكية بعيدة عن الجودة أو التفنيد سواء في نوعية المواد المقدمة أو الموهبة الحقيقية للشخصيات التي يعمل الإعلام على تسويقها ويضرب غباشي مثالا على قوله بالتجربة الإعلامية لتليفزيون الشارقة الذي يحاول الحفاظ على رسالته الجادة والتثقيفية وفي الوقت نفسه يتجه إلى التطوير والمواكبة. من ناحية أخرى انتقد الممثل والإعلامي المصري معوقات العمل الإعلامي من ضعف في الإمكانيات الإنتاجية و الإجراءات الإدارية "البيروقراطية" المرهقة القادرة على إجهاض أي مشروع إبداعي مؤكدا "أنه لا يزال يملك طاقات فنية و إعلامية لم يستغلها بعد ويحلم بإخراجها في صورة مشروعات مستقبلية".